الشيخ محمد رشيد رضا

175

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ذلك موافق للعدل وليس هو عين العدل بل العدل يكون بالعمل به وتطبيقه على الدعوى بحيث يصل إلى كل ذي حق حقه ، وقد امر اللّه تعالى بالعدل مطلقا في بعض السور المكية قبل بيان الأحكام الشرعية وما كل المسائل التي يتعامل بها الناس ويتخاصمون قد بينت احكامها في الكتاب والسنة فما بين فيهما كان خير عون على العدل المقصود منهما وما لم يبين يجب على الحكام ان يتحروا فيه المساواة بقدر طاقتهم التي يصل إليها اجتهادهم . وسيأتي في الآية التالية بيان ما يجب من اتباع أحكام اللّه ورسوله فيما حكما به وبيان ما يجب فيما لم يحكما به . قال الرازي قال الشافعي رضي اللّه تعالى عنه ينبغي للقاضي ان يسوي بين الخصمين في خمسة أشياء : في الدخول عليه ، والجلوس بين يديه ، والاقبال عليهما ، والاستماع منهما ، والحكم عليهما ، قال والمأخوذ عليه التسوية بينهما في الافعال دون القلب فإن كان يميل قلبه إلى أحدهما ويحب أن يغلب بحجته على الآخر فلا شيء عليه لأنه لا يمكنه التحزر عنه . قال ولا ينبغي ان يلقن واحدا منهما حجته ولا شاهدا شهادته لان ذلك يضر بأحد الخصمين ولا يلقن المدعي الدعوى والاستحلاف ، ولا يلقن المدعى عليه الانكار والاقرار ، ولا يلقن الشهود أن يشهدوا أو لا يشهدوا ، ولا ينبغي ان يضيف أحد الخصمين دون الاخر لان ذلك يكسر قلب الآخر ولا يجيب هو إلى ضيافة أحدهما ولا إلى ضيافتهما ما داما متخاصمين ، وروي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان لا يضيف الخصم الا وخصمه معه . وتمام الكلام فيه مذكور في كتب الفقه ، وحاصل الامر فيه ان يكون مقصود الحاكم بحكمه إيصال الحق إلى مستحقه وان لا يمتزج ذلك بغرض آخر ، وذلك هو المراد بقوله تعالى « وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ » اه ( المسألة الثالثة أنواع الأمانة ) الأمانة على أنواع ولذلك جمعت في الآية وفي سورة الأنفال بقوله تعالى ( 8 : 27 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ ) وسورة المؤمنون والمعارج بقوله تعالى ( 23 : 8 - 70 : 32 وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ ) * وقد ذكرنا عن الأستاذ الامام أمانة العلم وأمانة المال ، وجعلها بعضهم ثلاثا ( إحداها أمانة العبد مع الرب ) وهي ما عهد اليه حفظه من